التفتازاني

116

شرح المقاصد

معاين ، وقيل : بل ما في القبر ، وما في الحشر ، لأن المراد إحياء تعقبه معرفة ضرورية باللّه ، واعتراف بالذنوب . وأما قوله تعالى : وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ « 1 » . فتمثيل لحال الكفرة بحال الموتى . ولا نزاع في أن الميت لا يسمع ، وأما العقل فلأن اللذة والألم والمسألة والتكلم ، ونحو ذلك لا يتصور بدون العلم والحياة ، ولا حياة مع فساد البنية وبطلان المزاج . ولو سلم فإنا نرى الميت أو المقتول أو المصلوب يبقى مدة من غير تحرك وتكلم ، ولا أثر تلذذ أو تألم ، وربما يدفن في صندوق أو لحد ضيق لا يتصور فيه جلوسه على ما ورد في الخبر ، وربما يذر على صدره كف من الذرة فترى باقية على حالها . بل ربما يأكله السباع أو تحرقه النار ، فيصير رمادا تذروه الرياح في المشارق والمغارب . فكيف يعقل حياته وعذابه وسؤاله وجوابه ؟ وتجويز ذلك سفسطة . وليس بأبعد من تجويز حياة سرير الميت وكلامه ، وتعذيب خشبة المصلوب واحتراقها . ونحن نراها بحالها . والجواب إجمالا - أن جميع ما ذكرتم استبعادات لا تنفي الإمكان كسائر خوارق العادات ، وإذ قد أخبر الصادق بها ، لزم التصديق . وتفصيلا - أنا لا نسلم اشتراط الحياة بالبنية ، ولو سلم فيجوز أن يبقى من الأجزاء قدر ما يصلح بنية ، والتعذيب والمسألة يجوز أن يكون للروح الذي هو أجسام لطيفة ، أو للأجزاء الأصلية الباقية ، فلا يمتنع أن لا يشاهده الناظر ، ولا أن يخفيه اللّه تعالى عن الإنس والجن لحكمة لا اطلاع لنا عليها ، ولا أن يتحقق مع كون الميت في بطون السباع . ومن قال : بالقادر المختار المحيي المميت لا يستبعد توسيع اللحد والصندوق ، ولا حفظ الذرة على صدر المتحرك ، والقول بأن تجويز أمثال ذلك يفضي إلى السفسطة إنما يصح فيما لم يقم عليه الدليل ، ولم يخبر به الصادق ، وأما ما يقول به الصالحية والكرامية من جواز التعذيب بدون الحياة ، لأنها ليست شرطا للإدراك ، وابن الراوندي « 2 » من أن الحياة موجودة في كل ميت ، لأن الموت ليس

--> ( 1 ) سورة فاطر آية رقم 22 . ( 2 ) هو أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسن الراوندي أو ابن الراوندي ، فيلسوف مجاهر بالإلحاد من -